الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

26

الأخلاق في القرآن

يعني الابتعاد عنه وذلك بسبب أحد العوامل المختلفة من قبيل الجهل أو الكسل وحب الراحة وغير ذلك ، ولكن عندما وردت جملة « اسْتَكْبَرُوا » بعد هذه العبارة فإنّ ذلك يشير إلى الاستنكاف الّذي يقع من موقع الكبر والغرور ويكون معلولًا لهما ، وبذلك يكون ذكر هذه الجملة بعد تلك العبارة في الواقع إشارة إلى هذه النكتة الدقيقة . وعلى أيّة حال فإنّ التعبيرات المثيرة في هذه الآيات تدلّ على أهمية هذه المسألة وأنّ هذه الصفة الذميمة وهي الاستكبار تنتج هذه العواقب الوخيمة لدى كلّ إنسان يتصف بها . وفي « الآية الرابعة عشر » والأخيرة من الآيات محل البحث نقرأ نتيجة أخرى من النتائج الخطيرة والأليمة المترتبة على حالة الاستكبار حيث تقول الآية : « إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ » « 1 » . ففي هذه الآية الشريفة ورد أوّلًا ( التكذيب بآيات اللَّه ) إلى جانب ( الاستكبار ) وكما ذكرنا سابقاً أنّ أحد العلل المهمّة لإنكار آيات اللَّه والتصدي لدعوة الأنبياء هي حالة الاستكبار الّتي يعيشها الأقوام البشرية ، فأحياناً كانوا يقولون : ما هو امتياز هذا النبي عنا ؟ ولما ذا نزلت عليه آيات اللَّه دوننا ؟ ويقولون أحياناً أخرى : إن الأراذل والفقراء من الناس إلتفّوا حوله ونحن أعلى شاناً من أن نكون كأحدهم ، ولو أنّ هذا النبي قد طرد هؤلاء المؤمنين به من حوله فسوف يفسح لنا المجال للدخول في مجلسه والمشاركة في الاستماع لكلماته ومواعظه ، وهكذا من خلال هذه التبريرات والذرائع الواهية كانوا يعرضون عن الإيمان باللَّه والتحرّك في خط المسؤولية . عبارة : « وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ » والّتي وردت في القرآن الكريم في هذه الآية فقط هي تأكيد واضح على عظمة هذه الخطيئة وهذا الاتصاف السلبي والخطير في حركة الإنسان في الحياة ، أي كما أنّ عبور الجمل ( أو طبقاً لتفسير آخر : الحبل الضخم ) غير ممكن ومستحيل من ثقب أبرة فإنّ دخول المتكبّرين إلى الجنّة والنعيم الإلهي

--> ( 1 ) . سورة الأعراف ، الآية 40 .